الكرة المصرية بين شبح الفوضى وسلاح الانسحابات: أزمة القمة تكتب فصلًا جديدًا من الصراع

كرة مصرية بلا استقرار.. إلى أين؟
كرة القدم المصرية تعيش واحدة من أكثر فتراتها توترًا، فالصراعات الإدارية والأزمات المتكررة تهدد بنسف استقرار المسابقة الأهم، الدوري المصري الممتاز.
في قلب العاصفة، يأتي انسحاب الأهلي من القمة أمام الزمالك ليعيد فتح جراح الكرة المصرية، ويطرح تساؤلًا خطيرًا: هل أصبح الانسحاب سلاحًا مشروعًا في أيدي الأندية؟ وهل تدفع كرة القدم المصرية ثمن ضعف إدارتها؟

ما حدث مؤخرًا ليس مجرد أزمة عابرة، بل امتداد لسلسلة من الأزمات المتكررة التي تجعل الجماهير تشعر بالإحباط، فمع كل موسم تتجدد نفس المشاكل: تحكيم مثير للجدل، قرارات متضاربة، وتهديدات بالانسحاب. ومع تصاعد الأحداث الحالية، يزداد القلق حول مستقبل الكرة المصرية، التي كانت يومًا منارة في القارة الإفريقية.

تاريخ انسحابات الأهلي والزمالك.. عندما تصبح الأزمة عادة!
الانسحابات في مباريات القمة ليست أمرًا جديدًا، بل كانت دائمًا جزءًا من تاريخ الصراع بين الأهلي والزمالك. فعلى مدار العقود الماضية، انسحب كل من الفريقين في عدة مناسبات، احتجاجًا على قرارات تحكيمية، أو رفضًا لقرارات اتحاد الكرة، أو حتى كرسائل سياسية وإدارية.
انسحابات الأهلي
موسم 1928-1929: رفض الأهلي استكمال مباراة كأس مصر أمام الزمالك بسبب أحداث شغب.
موسم 1940-1941: انسحب الأهلي من القمة بعد حسم الزمالك لقب الدوري.
موسم 1965-1966: انسحب الأهلي قبل 20 دقيقة من نهاية المباراة بسبب اعتراضات على قرارات الحكم.
موسم 2003-2004: انسحب من البطولة العربية بعد وقوعه في مجموعة واحدة مع الزمالك، بسبب عدم السماح له بإشراك لاعبيه الجدد.
موسم 2024-2025: انسحب من القمة اعتراضًا على تعيين طاقم تحكيم مصري للمباراة.
انسحابات الزمالك
موسم 1947-1948: رفض لعب مباراة في دوري منطقة القاهرة بسبب الاعتراض على الموعد.
موسم 1995-1996: انسحب من القمة اعتراضًا على احتساب هدف للأهلي.
موسم 1998-1999: خرج لاعبو الزمالك من الملعب احتجاجًا على طرد أيمن عبد العزيز.
موسم 2019-2020: لم تصل حافلة الزمالك إلى الملعب، ليُعتبر منسحبًا.
موسم 2022-2023: رفض خوض كأس السوبر المصري اعتراضًا على عدم معاقبة لاعب الأهلي محمود كهربا.

هذه الانسحابات لم تكن مجرد قرارات لحظية، بل تعكس أزمات أعمق تضرب منظومة الكرة المصرية، حيث تتكرر نفس المشاهد مع اختلاف الأزمان، دون حلول جذرية تعيد الهيبة والانضباط للملاعب.
وبينما تتغير الأجيال، يبقى الصراع قائمًا، وكأن الكرة المصرية عالقة في دائرة لا نهاية لها من الأزمات والتوترات.
الأحداث الجارية: انسحاب الأهلي يشعل الأزمة من جديد
كان من المقرر إقامة قمة الدوري المصري بين الأهلي والزمالك مساء الثلاثاء، لكن الأحداث أخذت منعطفًا دراماتيكيًا عندما قرر الأهلي عدم الحضور إلى الملعب، اعتراضًا على إسناد المباراة لحكام مصريين، رغم إصراره المتكرر على استقدام طاقم تحكيم أجنبي.
كيف تطورت الأزمة؟
1. الأهلي يطالب بحكام أجانب منذ فترة طويلة
لم يكن طلب الأهلي بحكام أجانب وليد اللحظة، بل خاطب النادي رابطة الأندية واتحاد الكرة أكثر من مرة، منذ أسابيع طويلة وقبل تحديد موعد مباراة الزمالك من الأساس، مؤكدًا على ضرورة تعيين طاقم تحكيم أجنبي لمبارياته في مرحلة التتويج.

لكن الاتحاد المصري تجاهل تلك المطالب، وواصل المماطلة حتى قبل المباراة بيوم واحد فقط، عندما أعلن رسميًا تعيين طاقم تحكيم مصري للقمة، وهو ما اعتبره الأهلي تجاهلًا واضحًا لمطالبه المشروعة.
2. اجتماع طارئ لمجلس الأهلي
عقب الإعلان عن تعيين حكام مصريين، عقد مجلس إدارة الأهلي اجتماعًا طارئًا وقرر عدم خوض المباراة، معلنًا أنه لن يستكمل بطولة الدوري ما لم تُلعب مباراة الزمالك بطاقم تحكيم أجنبي، معتبرًا أن استمرار المسابقة بهذه الطريقة يعكس “الكيل بمكيالين” والتعامل غير العادل مع طلباته.

3. محاولات فاشلة لحل الأزمة
مع تصاعد التوتر، حاول الاتحاد المصري إنقاذ الموقف عبر تعيين طاقم تحكيم ليبي، لكن لم تكن هناك رحلات متاحة إلى القاهرة في الوقت المناسب. كما تدخلت وزارة الرياضة في محاولة لاستقدام حكام من السعودية، إلا أن الطاقم السعودي لم يتمكن من الوصول إلا بعد موعد المباراة.
4. إقامة المباراة في غياب الأهلي
رغم كل المحاولات، لم يتراجع الأهلي عن موقفه، وحضر الزمالك إلى الملعب في الموعد المحدد، بينما انتظر الحكام لمدة 20 دقيقة قبل أن يطلقوا صافرة النهاية، ليُعتبر الأهلي منسحبًا وتُحتسب النتيجة 3-0 لصالح الزمالك.

هل يواجه الأهلي أقسى عقوبات في تاريخه؟ مصير مجهول ينتظر المارد الأحمر
قرار الأهلي بعدم خوض مباراة القمة أمام الزمالك لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل خطوة تحمل في طياتها تبعات خطيرة قد تهز الكرة المصرية.
فانسحاب أي فريق من الدوري المصري يضعه تحت طائلة عقوبات صارمة قد تغير مصيره تمامًا.
فهل سيدفع الأهلي ثمن قراره غاليًا؟ وما هي السيناريوهات التي قد تواجهه خلال الأيام القادمة؟
طبقًا للوائح رابطة الأندية المصرية، فإن الانسحاب في هذه المرحلة الحساسة من الموسم قد يترتب عليه عقوبات صارمة، تشمل:
1. الاستبعاد والهبوط
يتم استبعاد الفريق من البطولة مع إنزاله إلى الدرجة الأدنى، وهو ما قد يمثل أكبر صدمة في تاريخ النادي.
2. إيقاف لمدة موسمين
قد يُحرم الأهلي من المشاركة في الدوري الممتاز لموسمين متتاليين، مما يهدد مستقبله محليًا وقاريًا.
3. غرامة مالية ضخمة
قد تصل الغرامة إلى 20 مليون جنيه مصري، إضافة إلى تعويضات ضخمة عن عقود البث والرعاية، مما سيؤثر على ميزانية النادي.
4. إلغاء نتائج الفريق المنسحب
يتم إلغاء نتائج الأهلي في مرحلة التتويج، مع احتساب نتائجه في المرحلة الأولى فقط عند تحديد ترتيب الفرق.
5. عقوبات إضافية
قد تشمل إيقاف المسؤولين عن القرار، أو حتى فرض قيود على مشاركة النادي في البطولات الأخرى، سواء محليًا أو إفريقيًا.

في ظل هذه العقوبات المحتملة، يقف الأهلي عند مفترق طرق حاسم، فإما أن ينجح في فرض موقفه والتأثير على قرارات الاتحاد، أو يجد نفسه في مواجهة تداعيات قد تغيّر مسار تاريخه بالكامل.
وبين صراع اللوائح ونفوذ الأندية الكبرى، يبقى السؤال الأهم: هل سيتم تطبيق القوانين بحزم، أم أن التوازنات ستفرض واقعًا مختلفًا؟
ردود الأفعال: الزمالك يطالب بالنقاط والأهلي يصعّد للفيفا
بعد هذه الأحداث و انسحاب الأهلي من مباراة القمة أمام الزمالك، شهدت الكرة المصرية تطورات متسارعة حيث تصاعدت ردود الأفعال بين مطالبات الزمالك بتطبيق اللائحة، وإصرار الأهلي على موقفه القانوني، مع استعداد النادي الأحمر للتصعيد الدولي.
الزمالك يطالب بتطبيق اللائحة وحسم النقاط
أكد مجلس إدارة الزمالك تمسكه بحقوقه، مشيرًا إلى أن الفريق التزم بالموعد المحدد وحضر إلى الملعب، وبالتالي يجب أن يحصل على نقاط المباراة كاملة.
تصريحات أحمد سالم:
قال المتحدث باسم النادي، أحمد سالم:
“التزمنا بكل اللوائح والبنود، واستجبنا لموعد القرعة رغم عدم وجود مبدأ تكافؤ الفرص في توقيت مباراة القمة. وافقنا على لعب المباراة وذهبنا في الوقت المحدد، ولا توجد لائحة تمنعنا من الحصول على الثلاث نقاط. نحن لا ننتظر قرارات معينة، بل نطالب بتطبيق اللائحة بوضوح.”
وأصدر الزمالك بيانًا رسميًا يطالب فيه بحسم نقاط المباراة لصالحه، وهو ما يزيد من الضغط على الاتحاد المصري لاتخاذ قرار سريع.

الأهلي يرد: تصعيد قانوني وملف إلى الفيفا
في أول رد فعل على بيان الزمالك، أعلن الأهلي تحمله تكلفة تذاكر جماهيره التي حضرت المباراة ولم تجد فريقها في الملعب. كما شدد على أن موقفه قانوني، مؤكدًا استعداده للتصعيد القانوني إذا تم فرض عقوبات عليه.

الأهلي يجهز ملفًا متكاملًا للفيفا
لم يتوقف رد فعل الأهلي عند البيانات، بل بدأ النادي تجهيز ملف قانوني ضخم للتوجه به إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، يتضمن:
1. 22 خطابًا رسميًا تم إرسالها إلى اتحاد الكرة المصري، تتعلق بشكاوى الأهلي المتكررة ضد التحكيم.
2. رسائل من مسؤولين في مسابقة الدوري، تؤكد أن بعض أعضاء اتحاد الكرة تدخلوا في قرارات لجنة التحكيم، مما أثار الشكوك حول نزاهة إدارة البطولة.
3. فيديو لإيهاب الكومي، عضو اتحاد الكرة، يصرح فيه منذ بداية الموسم بأن هناك نية لتوجيه بطولة الدوري، وهو دليل قوي على عدم الحياد.
4. التلاعب في قرعة الدوري، حيث يملك الأهلي مستندات تثبت أن إقامة مباراة القمة في رمضان كانت لأغراض تسويقية وإعلانية.
5. تناقضات رابطة الأندية، حيث طالبت بتعيين حكام أجانب لثلاث مباريات، من بينها القمة، في خطاب رسمي موجه إلى اتحاد الكرة، ولكن لم يتم تنفيذ ذلك.
6. الطعن على شرعية رابطة الأندية، حيث يؤكد الأهلي أن الرابطة غير منتخبة من أندية الدوري، وأن رئيسها لا يملك التوقيع على الخطابات الرسمية.
تصريحات سعد شلبي، المدير التنفيذي للأهلي:
“الأهلي لن يستكمل بطولة الدوري إلا إذا لعبت مباراة القمة بتحكيم أجنبي كما أقرت رابطة الأندية. إذا لم يحدث ذلك، لن نكمل المسابقة، وهذا قرار مجلس الإدارة.”
محمد الدماطي يعلق: تصريح مثير من عضو مجلس إدارة الأهلي

وسط هذا التصعيد، تبدو الكرة المصرية على أعتاب أزمة قد تمتد تبعاتها لسنوات.
فبين إصرار الزمالك على حقه القانوني، وتمسك الأهلي بموقفه المبدئي، يبقى مصير البطولة معلّقًا بين قرارات إدارية قد تعيد رسم خريطة المنافسة، أو تزيد من حدة الانقسام داخل المشهد الكروي.
هل تدفع الكرة المصرية الثمن؟
وسط هذا الصراع المحتدم، يطرح السؤال الأهم: هل سيتم تطبيق اللائحة بحذافيرها على الأهلي، أم أن النفوذ والتوازنات داخل الكرة المصرية ستمنع ذلك؟

تاريخيًا، نادرًا ما يتم فرض عقوبات صارمة على الأندية الكبرى، لذا من الصعب تخيل تطبيق استبعاد الأهلي أو هبوطه.
لكن في المقابل، الأزمة الحالية قد تكون الشرارة التي تؤدي إلى تغييرات جذرية في إدارة الكرة المصرية، وربما إعادة هيكلة اتحاد الكرة ورابطة الأندية.
الأيام القادمة ستكون حاسمة، فهل نشهد “ثورة كروية” تغير المشهد تمامًا، أم يكون هذا مجرد فصل جديد في مسلسل الأزمات المتكررة؟



